أبي منصور الماتريدي

511

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

في الآخرة على ما هي عليه رغبتهم في الدنيا وإيثارهم لها ، والمرء يرغب في الوجهين اللذين ذكرناهما في الدنيا ؛ فعلى مثله جرى الوعد في الآخرة ، وكذلك يرغب في الأكواب والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة ؛ فوعد لهم مثلها في الآخرة . وقال في موضع : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [ الواقعة : 34 ] ، ورفعها يكون من الوجهين اللذين ذكرناهما في السرر ؛ فوعدوا بها - أيضا - في الآخرة ؛ ليرغبهم « 1 » بها في الدنيا . وقوله - عزّ وجل - : وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ الأكواب هي الكيزان التي لا عرا لها ؛ فإما أن يكون وصفا لكبر تلك الأكواب في أنفسها حيث لا عرا لها كالحباب في الدنيا . أو يكون لهم خدم وولدان يتولون نقلها إلى أين أحبوا ، وليست لها عرا يمدون أيديهم إليها فيرفعونها « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ قيل « 3 » : هي الوسائد وضعت على البسط ، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا ؛ فرغبوا كذلك في الآخرة . قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 17 إلى 26 ] أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ( 26 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . . . إلى قوله : وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ : خص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب ، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر ، وتخصيصها يكون لأحد وجهين : أحدهما : أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ، عليها كانوا يسافرون ، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه ، وهي أيضا - أعني : مكة - منشأة بين الجبال ، فكانت لا تفارقهم الجبال ، وكانت السماء من فوقهم والأرض من تحتهم ؛ فخصت هذه الأشياء بالذكر ؛ ليعتبروا بها ، ويتدبروا . ويحتمل وجها آخر : وهو أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل ؛ لأن منافع الدواب أن ينتفع بطهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها ، فكل ذلك يوجد في

--> ( 1 ) في أ : لترغيبها . ( 2 ) في ب : يرفعونها . ( 3 ) قاله قتادة أخرجه عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ( 37040 ) ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 574 ) .